اخصائي نفسيالأسبوع العربي

فن الاحتواء العاطفي

فن الاحتواء العاطفي
بقلم د/ رشا النواوي
نستكمل معا رحلة فن الاحتواء العاطفي
في المقال السابق اكتشفنا كيف تصبح ‘مرآة’ لا ‘مطرقة’؟ و أساسيات الاحتواء في 5 خطوات”
واليوم نتعرف علي الاحتواء العاطفي للذات: أن تكون أمك وأبيك في لحظة الانهيار”
أتدرى ما هو أسوأ شعور في العالم؟
تخيل هذا المشهد:
الساعة الثالثة صباحًا. أنت مستلقٍ على سريرك، عيناك مفتوحتان على السقف. قلبك يدق بسرعة، وأفكارك تركض كالفئران في متاهة. لقد أخطأت اليوم. أخطأت خطأً فادحًا. أو ربما لا تعرف لماذا أنت حزين، لكن حزنك يملأ الغرفة كالدخان.
تلتفت إلى يمينك ويسارك. لا أحد.
هاتفك صامت. لا رسائل. لا أحد يعلم أنك هنا تغرق.
وفي هذه اللحظة بالذات، يبدأ الصوت الداخلي بالعمل:
• “أنت فاشل. تستحق هذا.”
• “لو كنت أفضل، لما حدث هذا.”
• “انظر إلى الآخرين، كلهم ناجحون وسعداء.”
هذا الصوت ليس عدوك. إنه صوت المطرقة الداخلية، ذلك الجزء منك الذي تعلم أن أسرع طريقة لإنهاء الألم هي بضرب نفسك أولاً قبل أن يضربك الآخرون.
ولكن ماذا لو أخبرتك أن هناك طريقة أخرى؟
ماذا لو أخبرتك أن الاحتواء الحقيقي يبدأ من داخلك، وأنك تستطيع أن تكون لألمك ما لم يكن أحد قط؟
ماذا لو أخبرتك أن الوعاء الفارغ لا يمكنه احتواء الآخرين؟
هذا المقال هو خريطة طريق لتصبح أول من يحتوي نفسه، قبل أن تطلب ذلك من العالم.
الحقيقة المؤلمة: معظمنا يعرف كيف يواسي صديقًا حزينًا، لكنه لا يعرف كيف يواسي نفسه.
ثلاثة أخطاء شائعة في احتواء الذات (وما هو البديل)
الخطأ الأول: كبت المشاعر (“تجميد الألم”)
ماذا يحدث؟
عندما تشعر بالحزن أو الغضب أو الخوف، تقول لنفسك: “لا تشعر بهذا، تحكم في أعصابك، تحمل، ليس لديك وقت للضعف.”
ماذا تفعل بالضبط؟
تضغط على المشاعر وتدفعها إلى قبو داخلي مظلم. تبتسم للعالم بينما أنت تحترق داخليًا.
النتيجة بعد أسبوع:
تجد نفسك تنفجر على شخص بريء بسبب لا شيء. أو تشعر بصداع مزمن وألم في الظهر. أو تفقد القدرة على البكاء تمامًا.
البديل الصحي (الاحتواء):
“أشعر بالحزن الآن. هذا مؤلم. لكن الحزن ليس خطيرًا. سأجلس معه لمدة 5 دقائق فقط.”
القاعدة: ما تقاومه يبقى. ما تحتويه يمر.
الخطأ الثاني: تضخيم المشاعر (“الغرق في الألم”)
ماذا يحدث؟
عندما تشعر بالألم، تبدأ في إطعامه بالقصص الدرامية: “أنا أسوأ إنسان في التاريخ. حياتي كلها فاشلة. لا شيء سيتحسن أبدًا.”
الفرق بين هذا والخطأ الأول:
الأول يتظاهر بأن المشاعر غير موجودة. هذا يغرق فيها تمامًا دون طوق نجاة.
النتيجة بعد أسبوع:
دخول في دوامة اكتئاب، أو نوبات هلع، أو الشعور بأن لا مخرج.
البديل الصحي (الاحتواء):
“أشعر بالحزن، نعم. لكن الحزن شعور وليس حقيقة. أنا لست حزينًا. أنا أشعر بالحزن. هناك فرق.”
القاعدة: لا تكذب على نفسك بأن الألم غير موجود، ولا تكذب عليها بأن الألم هو كل الوجود.
❌ الخطأ الثالث: التحليل بدل الشعور (“تفسير المشاعر بدل عيشها”)
ماذا يحدث؟
عندما تشعر بألم، يتحول عقلك إلى محقق خاص: “لماذا أشعر بذلك؟ ما السبب؟ من أين أتى هذا الألم؟
النتيجة بعد أسبوع:
تعرف كل شيء عن أصول مشاعرك، لكنك لا تزال تشعر بنفس الألم. التحليل لم يشفِ شيئًا.
البديل الصحي (الاحتواء):
“لا يهم الآن لماذا أشعر بذلك. المهم أنني أشعر به. سأتنفس في هذا الشعور 10 مرات دون أن أحلله.”
القاعدة: المشاعر تُعاش، لا تُشرح. الشرح يأتي بعد العيش، وليس قبله.
تقنيات عملية لاحتواء الذات (جربها الآن)
التقنية الاولى: “وعاء المشاعر” (طريقة التنفس العاطفي)
متى تستخدمها؟
عندما تشعر بأن المشاعر تهدد بغمرك وتفقد السيطرة.
كيف تطبقها؟
1. أغمض عينيك. ضع يدك على صدرك والأخرى على بطنك.
2. قل لنفسك: “أنا أعترف بوجود هذا الشعور بداخلي. لن أهرب منه.”
3. تخيل أن مشاعرك ليست داخلك، بل أمامك ككرة من الضوء أو الدخان.
4. استنشق بعمق. تخيل أنك تسحب الشعور تجاهك بلطف.
5. ازفر ببطء. تخيل أنك ترسل طوق نجاة من الأكسجين إلى ذلك الشعور.
6. كرر 10 مرات. ستلاحظ أن حدة المشاعر تخفت بنسبة 30-50%.
السر العلمي: التنفس العميق ينشط العصب المبهم (Vagus Nerve)، المسؤول الأول عن التهدئة والاحتواء الذاتي.

التقنية الثانية: “رسالة من صديق” (إعادة التأطير)
متى تستخدمها؟
عندما يكون الناقد الداخلي في قمة عنفه وتشعر أنك “أسوأ إنسان”.
كيف تطبقها؟
1. خذ ورقة وقلمًا.
2. اكتب كل ما يقوله الناقد الداخلي بالضبط، دون فلتر:
“أنت غبي، فاشل، لا يستحق أحد حبك، سبب كل المشاكل…”
3. الآن، اقلب الورقة.
4. اكتب: “لو كان أفضل صديق لي في العالم يمر بنفس الموقف، ماذا كنت سأقول له؟”
5. اكتب الرسالة كاملة: “أنت لست غبيًا. أنت إنسان يمر بيوم صعب. هذا لا يحدد قيمتك. أنا هنا من أجلك.”
6. اقرأ الرسالة بصوت عالٍ لنفسك.
النتيجة: ستدرك كم أنت قاسٍ مع نفسك مقارنة بلطفك مع الآخرين. وهذا الوعي هو بداية التغيير.

ماذا تفعل عندما تفشل كل التقنيات؟ (خريطة الطوارئ)
أحيانًا، يكون الألم كبيرًا جدًا لدرجة أن أي تقنية تبدو مستحيلة. في هذه الحالة:
1. لا تكثر من المحاولات: لا تجبر نفسك على الاحتواء إذا كنت غارقًا تمامًا.
2. اخفض السقف: بدلًا من “أريد أن أشعر بالسلام”، قل “أريد فقط أن أتنفس لمدة دقيقة”.
3. غير البيئة: اخرج من الغرفة، اذهب إلى الحمام، قف تحت الماء الدافئ، اخرج للشارع.
4. حرك جسدك: المشاعر العالقة تتحرك عندما يتحرك الجسد. امشِ. اركض. ارقص بطريقة بشعة.
5. اطلب مساندة خارجية: الاحتواء الذاتي لا يعني العزلة. اتصل بشخص تثق به. قل له: “أنا لست بخير، فقط أريد أن تبقى معي على الهاتف بصمت.”
تذكير مهم: إذا استمر الشعور بالانهيار لأكثر من أسبوعين، أو منعك من أداء وظائفك الأساسية، فطلب المساعدة من معالج نفسي هو احتواء للذات بامتياز، وليس ضعفًا.

كيف تعرف أنك نجحت في احتواء ذاتك؟
ستلاحظ هذه العلامات تدريجيًا:
1. بعد احتواء الذات
2. تقول: “أخطأت، وهذا مؤقت”
3. تبكي ثم تشعر بالارتياح
4. تعرف أن كل مشاعر ستمر
5. تصبح أنت منقذ نفسك الأول
6. تستطيع تهدئة نفسك بنسبة 50% على الأقل
خلاصة المقال الثالث: وصايا خمسة لاحتواء الذات
1. اشعر أولًا، ثم حلل لاحقًا. لا تكن محققًا في غرفة الطوارئ.
2. لا تكذب على نفسك. الألم موجود. اعترف به بهدوء.
3. لا تغرق في الألم. اجلس على ضفته، لا تقفز فيه.
4. تحدث مع نفسك كما تتحدث مع من تحب. لا تقل لها ما لا تقوله لطفل.
5. تذكر: الفارغ لا يعطي. وعاء فارغ لا يستطيع احتواء الآخرين. احتوِ ذاتك أولًا، ثم احتوِ العالم.
رسالة إلى القارئ (من القلب إلى قلبك)
ربما تقرأ هذا المقال وأنت تبكي.
ربما تشعر أنك كنت وحدك طويلًا لدرجة أنك نسيت كيف تحتوي نفسك.
ربما لم يقل لك أحد في حياتك: “أرى وجعك، وأنت لست وحدك.”
أريد أن أكون أنا من يقولها لك الآن:
أراك. أعلم أنك تحاول رغم أن لا أحد يراقب. أعلم أنك تؤلم. وأنت لست فاشلًا. أنت إنسان يتعلم لغة جديدة: لغة احتواء الذات. وهذه اللغة تحتاج إلى وقت وصبر ورحمة. وأنا معك في هذا الطريق.
في المقال القادم:
“احتواء الأطفال والمراهقين: عندما تكون حضنًا آمنًا لا حدودًا جامدة”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى